ختم على البياض : قراءة في أعمال أسماء غيلوفي. بقلم الدكتوره سهير الأمين

with Pas de commentaire
Asma Ghiloufi, plasticienne designer et poétesse

Au doigt mouillé . Exposition de Asma Ghiloufi
du 15 au 29 avril à la Librairie Mille feuilles. La Marsa

متى كنت مدفوعا إلى العروض بما يعتمل في ذهنك مسبقا، فعليك إزاء ما تقدّمه أسماء غيلوفي، المصمّمة والتشكيلية، أن تتجرّد لما هو مباغت، وأن تُعيد إنتاج ما تراه خارج الجمالي المُعطى وخارج الإبهار، فما تقترحه أسماء من أعمال لا يتوفّر إلا كمُكوث تجريبي في مساحة تشكيلية، هي من قبيل الإشهار الخطي المرتدّ عن صفته الإشهارّية، لتجعل المنتوج الطبيعي أو الصناعي مادة فكرّية أبعد من مجرّد الاستقرار الأجوف في الذهن، لدلالة مختومة ومعطاة.
ما تقترحه أسماء، يعتمل في الأداة وفي الأفكار. فنحن إزاء هذا العمل نرتاد نسقا آخر من التشكيل، نسق يجادل الإشهار والمنتوج، نسق يجادل حدود النظرة، بالرسم كفعل حيّ.
المِشط والمِقصّ ودمية الخياطة، الولاّعة و المِغطس و المِظلّة… هي ليست فقط ثنائيات، بل هي نسيج مترابط تستلهمه الفنانة من حقل التصميم بتفرّعاته وتبِعاته من المادّة المصنوعة إلى صناعة الصورة، ربما لتقول أنها مصمّمة، ذات ميول تشكيلي في معنى الميول إلى الطّروحات الإشكالية، فهي تسائل ما استقر عليه التصميم من تمثّل فاتن يقتصر على إبراز المصنوع وجماليته، لتسمو بنا عن مجرّد الاستهلاك وتقترح كيفية ما، جدّية في التفكير.
تحدّثك أعمال أسماء غيلوفي في نوع من الاستعارة من مجالات مختلفة، لتكون خارج المجال، كأنما لا تريد أن تقدّم لنا ما تعرفه مسبقا، بقدرما تتمرّس الإدراك وتستحثّه بالفعل وتجعله تجرّدا إلى اللحظة، إلى اللّمحة، بكل ما في اللّمحة من إيجاز بليغ. فاللّحظة أو اللّمحة التي تتصيّدها من خلال الختم المصنوع، هي ليست من قبيل التخمين بل من قبيل الإيجاد والتوليد. ما تقدّمه أسماء هو شيء يتوفّر للقراءة، بما تسعُه المادّة خارج التبرير الجمالي. فهي تحيل بتلك الثنائيّات إلى عرضية الجمال كصناعة للزيف. أما الأداة التي ترسم فهي من يحدّد الهويّة كانطباع، إذ تطبع ملاذها في جلد أفعى حينا أو نسيج رابطة عنق أو صفحات كتاب أو قشر تفاحة، فهي تختم على المصنوعات بما هو من صنيع الذهن، على طريقة قبائل الأومو الصومالية التي تختزل وتستلهم من الطبيعة رموزا، ليختم بها أفرادها على أجسادهم ووجوههم، وفي حين تمثّل خواتم قبائل الأومو علامة على الانتماء كجزء من الكل، ومن الطبيعة، أو تعكس رغبة في الانصهار في فضائها بالتنكّر كما تتنكر هوامّها ووحوشها اتقاءً لكل دخيل، تستقر خواتم أسماء على عكس ذلك، لتقويضٍ في أجسام المصنوعات والموجودات، لتوهم بالتكامل أو بالتبعية أو تلهم بالإثارة فيما يشبه علاقة الدال بالمدلول.
وتُعْلمنا أسماء عندما تحدّثنا عن أعمالها أنها تصنع لكل رسم ختما يرسمه، فتقول أن المرسوم هو وليد أداة ترسم، فهو وليدها في المعنى وفي التّمظهر، وهي بذلك تجعل من فعل الرسم حيّزا بلاغيّا مجازيّا يضعنا أمام حدود الختم كعُرف قرائي، أو كخَوَر مجتمعي أو كترسّب في المخيال العام، أو كتجلّي عبثي لما يرسخ في الذهن.
فالختم هذا النوع من الاختزال أو الاختصار للمحتوى، هذا الذي ينوب عن كل التفاصيل ويفرض الامتثال لإملاءاته، هذا التجسّد السلطوي لفكرة ما، أو أيضا هذا التفشي الرسمي لمشروعية زائفة زيف السطح، وزيف المظهر. كأنما هو إشارة إلى طواعية الذهن لاستهلاك المعطى في حدوده المباحة، لذلك تستبدل أسماء الأدوات المتاحة بأخرى عصيّة على التطويع فهي تخلق أداة الارتهان بالفكرة لتقول أننا رهينو هذا التوليد المسبق للماهية ربّما، وتتوالد في تجربة أسماء أنواع من التمرّس لما هو صعب المراس، إذ هي تخلق الأداة لتخلق الصّراع الذي من أجله يستحقّ العمل التشكيلي أن يكون.
هذا العمل المختوم بأنواع الخواتم لا ينوي أن يكون له وجه ختامي حيث تُطنب أسماء في استعمال الختم كإلحاح على تجريده من رسميته لتقول أنها لا تلين إلى أنماط الاستهلاك فهي تطبع على المسافة وتطرح سؤال الاستنكار عن الجدوى من العمل المختوم وتَصِم نهائيته لتقول أن المختوم موصوم بالطبيعة وبالصناعة.
سهير الأمين

Répondre