عندما تتجلى الصورة، متجاوزة الأسوار…. ومعيدة قراءة السُوَ ر

with Aucun commentaire

hamadi ben saad_2

 عندما زرت مرسمه بدار الجمعيات بالمدينة العتيقة أوقعت لوحانه أثرها في نفسي فخطرت ببالي ومضة إشهارية بطلها نجم مسرحي من الجنوب فحواها ما معناه أن المشروع الناجح  لا يبنى إلا على أساس صلب و « صحيح » لما تضمنه قوة « الساس » من إبداع فاعل.  خطرت ببالي هذه   الومضة لأني وجدت نفسي أمام أعمال فنية  ارتأيت فيها معنى يناقض هذا المبدأ القائل بأن الأساس أهم من عزيمة المؤسس.  وأنا لا أكره التناقضات

عندما زرت مرسمه وشاهدت أعماله طفت إلى سطح ذاكرتي ما يقوله العارفون بأن الله سبحانه و تعالى خلق الكون من « لاشيء »،  وبدون قصد، وجدتني مسايرا لتداعي أفكاري محققا في حقيقة الإنسان عندما يعكس عمله، في مقام الإبداع الزائل، أثر الخالق في مقام الخلق. فالمخلوق إذا ما سكن لحتمية زواله، أشرف منه على عالم الخلود. ومن عابر، لا يمكنه إلا العبور، يتحول إلى مُعَبِرٍٍ قادر على التعبير

 ونحن عندما نقول « لاشيء  » نشير بالفعل أو بالقوة إلى « عين الشيء  » ألا وهو الصفر أو الشفره.  هذا الإكتشاف الذي أخذه العرب عن الهنود وفتحوا به آفاق اللامحدود في وجه الفكر البشري الحاسب صانع الحاسوب.  وجدتني إذا متأملا في هذه اللوحات الرائعة و قد خاطتها يد نساج بارع من « لا شيء » أي من كارتون النفايات وعلب السجائر الفارغة الملقاة على الرصيف، بعد أن استهلك محتواها  فمحيت من الوجود. علب خاوية أضاعت قيمتها الإستهلاكية، فتركت بدون معنى يذكر، تعبث بها أرجل المارة… لولا سبق الرسام إليها ورفعها قبل عمال التنظيف البلدي وتغيير وجهتها المحتومة من فضاء النفايات إلى رواق الفنون

وأنا لا أجد تناقضا في الجمع بين فضاء النفايات و فضاء الفن  فكل منهما يحتل حيزا غير واضح المعالم لا يؤمه إلا ذوي الأفكار السائبه والغاؤون من أتباع الشعراء.  فالوضوح الكامل  لا يبتغيه  إلا أتباع الأفكار المُصَنَمَة المًصَنِمَة و الإيديولوجيات الجاهزة للإستهلاك ( والإستهلاك من طلب الهلاك) والذين  يتعمّمون ( من العمامة و التعميم) أو يتبرنسون ويتجبّبون بالهوية الواضحة والنهائية، المنتهية الصلوحية، ليحجبوا، عن أنفسهم، غموض رؤياهم وعجزهم عن الإحاطة بالواقع، دون تأطيره وتسييجه        و » تسويره ». و الصور التي ينتجها الفنان ، إذا ما اعتمدت الرؤية الواضحة، استحالت إلى »سُورٍ » أو إلى سُوَرٍ، لحبس الواقع وسدّ الآفاق،  فتدخل واضعيها في شَرَك « الدعوه » و في الشِِِرْك بالله،  من حيث لا يشعرون.

حمادي بن سعد الرسام، إنسان عادي تعرفه شوارع المدينة الحديثة المستقيمة وأزقة المدينة القديمة الملتوية والممرات التي تصل أو تفصل بين مكاتب وزارة الثقافة. كما تعرفه ساحات باريس  ومراكش و جبلينه بصقلية  والطريق التي تربط  العاصمة الحفصية بالعاصمة الأغلبية على مستوى السبيخة. ويعرفه كذلك أطفال تونس وأطفال القاهره و تعلم معهم براءة الرؤية  وصدق القول  والإيمان العميق بواقعية الحلم.

  حمادي بن سعد مرسمه كما اشرت يوجد في دار الجمعيات … على السطوح.  يحتل ممرا ضيقا بين فناء الدار و طابقها العلوي الوحيد…زاد هذا الممر ضيقا  ما كدّسه الرسام من ورق مقوّى، كان صالحا و لم يعد، جمعه بعد أن « عثر فيه  » فعثر عليه .  منه الكثيف والشفاف  وما هو كثيف وشفاف معا وما هو أزرق باهت وما هو أحمر ناصع وما لونه بُنِِي مثل التراب و ما بريقه يحاكي  بريق الفضة و لمعان التبر… كل ذلك مكنوز في زاوية ليكون زادا للمبدع و منجما  » لفناني الغلبه،  رعاة النجوم  » …. ممن يتوقون إلى بناء أنفسهم وأوطانهم  بدون قيد ولا شرط ….. من « لا شيء »

  لا شيء إلا حب العمل  وتحويل ما يقع  بين اصابع الفنان من أشلاء،  أخرجت، بعد استعمالها، من أصناف الصالح  وأدرجت في هاوية المنسي  الطالح   وفي قائمة المتلف الذي لا يرحى منه نفع.  يأخذها الرسام فبيعيد صياغة مقاطعها و يبعث بينها علاقلات جديدة، تجعل منها مساحات ملونة،  تفتح أعين الرّائين على « عين الشيء  » …. فتتجلى الصورة،… متجاوزة  الأسوار ومعيدة قراءة السُوَر .

رسوم حمادي بن سعد تبدو في غربتها  آتية من أغوار واقعنا اليومي المألوف، الذي نتحدث عنه دون أن نراه، و نذكره دون أن نتذكر معناه ونسمع مغناه …… ومن السهل أن نبني بما هو قابل للبناء …بما تسلم معه ،عند شرائه  طريقة استعماله  ومسبق مراحل إنتاجه … ومن السهل أن نرمم ما يتراءى لنا انه قابل للترميم….. لكن كما يقال  الطريق ليس صعبا بل الصّعب هو الطريق.

… وجد حمادي بن سعد نفسه في طريق صعب  – ضيق الحال و قلة ما في اليد ــ فاختار ان يبعث قيمة فيما ليست له قيمة عوض أن يتعلل بانعدام   » الإمكانيات « 

  و من الواضح أن جل اعماله تونسية معاصرة و الحال انها تدخل في باب الإتجاهات  العالمية الغربية المنبع  فهي بوجودها ترمز إلى إمكانية التأصيل دون إعادة الأصيل.

  تونس في 15 أفريل 1993    الناصر بن الشيخ

Répondre