فُوَيْرِقات: الثورة المنتجة للتاريخ إبداع Nuances

with Pas de commentaire

أنا أقول بوجود تاريخ لامرئي تخترقه ترسبات جماعية تتجاوز حياة الأفراد و تمثل الهوية العميقة للشعوب ولا يكتب لأي جيل من الأجيال العابرة بأن يكون فاعلا في التاريخ إلا إذا كان قادته من ذوي النظر الثاقب الذي يسمح لهم بترسيخ عملهم المستقبلي في الترسبات التاريخية المكونة لما نسميه بالشخصية الوطنية لشعوبهم. و هو ما توصل بورقيبه إلى فهمه بعمق خلافا للهادي نويرة الذي كان رد فعله أمام حوادث ڤفصه في بداية الثمانينات وصف ذلك ب« هاجس عدم الخنوع النوميدي »

« le démon numide »

في حين أن بورقيبة اعتبر مساره السياسي تواصلا ناجحا لما فشل في إنجازه يوغرطه. فموقف بورقيبة متجذر في الزمن الأمازيغي المغاربي بينما نظرة الهادي نويرة لاتعدو أن تكون إعادة لموقف القنصل الروماني بأرض إفريقية.

و لنا كذلك مثال ستالين الذي أقدم على شحن عزائم شعبه في حربه ضد هتلر باعتماد مرجعيات التزار بطرس الأكبر و روسيا الأم و لم يكتف بالمرجعيات الايديولوجية الشيوعية.

و لقد تعلمت من تمعني في تاريخ الفن بأن تفسيرالأعمال الفنية التاريخية الهامة لا يتطلب وضعها في الزمن الموضوعي الذي تمظهرت فيه فقط وإنما بالرجوع كذلك إلى مقدرة المبدعين الذين أنجزوها على النفاذ إلى إنيتهم العميقة المتجذرة في الحاضر إلى درجة تسمح لهم بالحلول في زمن الخلود الذي يتجاوز بُعدُه الماقبل و المابعد. و هو البعد الذي يسمح للشاعر و للفنان بأن يستشرف المستقبل انطلاقا من تجذره في خصوصية الفترة التاريخية التي يعيش فيها.

و كما هو معروف فإن أكبر عائق للإبداع يتمثل في الايديولوجيات المختلفة التي تحجب الواقع اللامرئي عن الأبصار و تمنع البصر من أن يتحول إلى بصيرة. ولقد نبهت في مقالاتي على موقعي على الويب منذالأيام الآولى التي تلت الرابع عشر من جانفي إلى خطر توريد الثورة التونسية من طرف الشعوب العربية الشقيقة دون إعادة إنتاجها من جديد من طرف كل واحد منها و تجذيرها في سياق تاريخه الخاص. و نبهت إلى خطر ما كانت تقوم به قناة الجزيرة من تطويق مقصود و مبرمج لثورتنا باجتثاثها من سياقها التاريخي التونسي و الرمي بها في السياق الايديولوجي المستلب و الذي جعل من ثورتنا بداية  » ربيع عربي » سرعان ما تحول إلى حروب أهلية فتحت الباب على مصراعيه للتدخل الأجنبي وسمح بأن تركب ثورتنا من طرف الإنتهازيين السياسيين إبتداء من تنظيم قصبة واحد و تسلط حماة الثورة على الثورة.

ولم يسلم المسار الثوري التونسي من السقوط في الحلقة المفرغة الثورجية إلا بحنكة الباجي قايد السبسي و إخلاص أعضاء حكومته لمصلحة تونس العليا التي تمثلت في اعتبار أن غاية الثورة القصوى هي إدخال تونس في المسار الديمقراطي المتطور و ما يتبع ذلك من حرص على الحفاظ على ما اكتسبه الإعلام من حرية تعبير. و الجميع يتذكر موقف الباجي قايد السبسي لما لام صحفي القناة الأولى على مزايداتهم الثورجية في تغطية الأحداث مضيفا أنه لن يتدخل في شؤونهم بالرغم من ذلك.

و على هذا الأساس كتبت في نفس الفترة بأن صنع التاريخ بمفهوم الثورة التي تجدد الرؤيا إبداع. و الفعل السياسي لا يتجاوز عادة مستوى حذق تقنيات التسيير التي تسمح للنظام بأن يؤطر عملية مواصلة إعادة إنتاج المجتمع لنفسه و إذا ما سنحت الفرصة التاريخية الملائمة للتغيير الثوري فلا بد أن يسمو الفعل السياسي إلى مستوى الإبداع لأنه بدون ذلك لن يستجيب له القدر.

Répondre