ضرورة الثورة الثقافية و مقاومة ردود الفعل الرجعية للطبقة الثقافيه

with Pas de commentaire

 .  ثمة حالات في استعمالنا للغة التواصل الإعلامي يضيع فيها  المعنى الأساسي للكلمات بعد أن يقع ردمه تحت ركام الخطاب اللاتفكيري  السائد في وسائل الإعلام. ومن هاته الحالات  « مفهوم » الطبقة السياسية ». حيث نشير من خلاله إلى مجموعة من الأشخاص يجمع بينهم احترافهم للسياسة في علاقة  مقصودة بممارسة السلطة أو بالعمل على  الإحلال محل من يمارسها . فنتحدث مثلا عن عدم وعي الطبقة السياسية بمسلتلزمات المرحلة أو بانشغالها  بالتكالب على السلطة. وهو قول ينم عن موقف ساذج  لا يأخذ في الإعتبار ما يحيل عليه الجمع بين كلمتي طبقة  و سياسية من تعريف للمحترفين بالسياسة بكونهم طبقة إجتماعية مخترقة لكل الطبقات المعروفة والبيٓنة المعنى مثل الطبقة البورجوازية و الطبقة الشغيله والطبقات المحرومه وطبقة المهمشين. و احتراف السياسة لا يحيل بالضرورة  على اختصاص يكون موضوعه فن سوس البشر في إطار مجتمعات تربط بين أفرادها علاقات تعاقدية بل على نشاط  حزبي شركتي (نسبة لشركة خفية الإسم)  تشتغل في مجال الإقتصاد السياسي المعلن والموازي. خاصة إذا كان الوضع مثل ما نحن عليه اليوم من » تحرير مطلق للمبادرات السياسية  » دون شروط مسبقة للإنتصاب تمليها ضرورة التحقق من القدرة الفعلية  لممارس السياسة  على الإيفاء بوعوده بترجمة تصوراته إلى واقع . ولقد عاينا بأم أعيننا ما حل بنا عندما  تمكن من ثورتنا الأصيلة ربيع عربي نترك شرف بدئه  لمحمد بن سلمان في مملكته بنجد و الحجاز. ونحن نتذكر أن كل التجاوزات في تسيير دواليب الدولة  التي قامت بها حكومة النهضة  وقع تبريرها عن طريق حق الناجحين في الإنتخابات  في تعليم الحجامه ( الحسانه بلغة ناس الغيوان) في روس اليتامى. وهو حق أملته اعتبارات ماورائية تتصل بالمقدسات « الثورية » و « الدينية  » بعد تموضعها الواعي و اللاواعي في المجال الرمزي الأوسع لمقدسات مصالح القوى العظمى. و من السهل  منهجيا  أن نستخلص من كل ما سبق أنه من طبيعة طبقة ما أن تخدم مصالحها   الخاصة بما  فيها الطبقة السياسية التي تخفي مقاصدها الفعلية وراء مقاصد معلنة تتعلق بالصالح العام . غير  أن اعتبار الصالح الخاص لطبقة ما  وتسبيقه على الصالح العام من شأنه أن يضر بالمجموعة الوطنية ككل  و أن يتسبب في الإضرار بالمصالح الخاصة للطبقات جميعا . وهو ما يجعل الصالح العام يعرف بأنه الفهم الجيد للصالح الخاص.

  وإذا لم يتوصل المشاركون في الحراك السياسي الذي بدأ بعد 14 جانفي 2011 الى الفهم الجيد للمصلحة الخاصة فإن ذلك سيترتب عنه تردي الأمور من سيء إلى أسوأ  خاصة وإن استخلصنا من تجربة السبع سنوات الماضية  أن أغلب السياسيين الذين وقع تصعيدهم إلى سدة الحكم انطلاقا من الانتخبات التشريعية  لم يظهروا إلى حد الساعة أنهم قادرون على تعريف المصلحه العامه بانها الفهم الجيد للمصلحه الخاصة وهو ما جعل العمل الحكومي  صعبا ومكبلا  بالممارسات الحزبية و الفردية المتقوقعة على المصالح الخاصة للأفراد و للأحزاب

 وبالمقابل لمفهوم الطبقة السياسية الذي يحيلنا على الوضع المتردي الذي نعيشه  يمكنني القول بأن هذه الطبقة  تختلف عن مفهوم النخبة الإجتماعية القادرة على الرؤية الشاملة للواقع بتشعباته والتي كثييرا ما تكون اهتماماتها  السياسية  مبنية على أسس ثقافية و مشاريع تتصل بإنتاج التاريخ و بناء المستقبل الأ فضل للمجموعة الوطنية . غير أنه من المعروف أن الديمقراطية كنظام حكم يعتمد على الأغلبية الإنتخابيه  لا يمكن تحصينه من مخاطر  الشعبوية  وهي أساس الفساد السياسي والذي لا يمكن درؤه نسبيا إلا بالنهوض بالمستوى الثقافي لأفراد المجتمع

 ومن هنا  نستشف الأهمية الإستراتيجية لمفهوم المناعة الثقافية التي  يجب على السلطة السياسية  اعتبارها الحجر الأساس لبناء نظام ديمقراطي متجذر و أصيل. والمناعة الثقافية  تختلف عن استيعاب الفئات المدعوة بالشعبية  للثقافة السائده  والتي تتنتجها ما يمكن تسميته بالطبقة الثقافية و التي بدورها تختلف عن النخبة المثقفه. كما أن النخبة المثقفه تختلف بدورها عن النخبة المتعلمه. والنخبة المثقفه  تضم الأقلية من المبدعين المنتجين للفكر الحي. وهم يقومون بهذا العمل  المحرر للعقول  و المطهر للنفوس  بدافع داخلي و ليس استجابة لحاجة مادية أولغايات إيديولوجية. وقد نبهت شخصيا منذ تسمية صديقي و زميلي المبدع محمد زين العابدين على رأس وزارة الشؤون الثقافية في حكومة يوسف الشاهد إلى ضرورة التفريق بين نخبة المبدعين من جهة ومن جهة أخرى ما يمكن تسميته بالطبقة الثقافية التي تكونت في ظل نظام شكلن الثقافة و أفرغها من محتواها النقدي بالضرورة و حوٓل المثقفين الى معالم  زينة. وهو ما تسبب في فقدان للمناعة الفكرية للشعب التونسي و جعله فريسة سهلة للدجل السياسي الشعبوي . فتشريك الجزء الأوفر من شباب الجهات و أحزمة  المدن الكبرى  التي تطوق العاصمه و أغلب مدن الشريط الساحلي في النشاط  الثقافي المبني على التعويد على المبادرة  وعدم التواكل و على التفكير الحر والمسؤول  من شأنه أن  يجفف منابع الإرهاب ويقلل من الشعور بالإحباط   الذي تمكن من فئات الشباب بعد ما عاشوه من خيبة أمل زادها عمقا ما أثارته الثورة من آمال لم تتحقق

وكما نلاحظ على المستوى العام عدم تلاؤم الغايات  المعلنة لحكومة يوسف الشاهد مع الممارسات الإنتهازية للطبقة السياسية يمكننا كذالك القول بوجود فارق نوعي بين البرنامج الثوري موضوعيا و ليس إيديولوجيا للمشروع الثقافي الرائد الذي شرع محمد زين العابدين في إنجازه من خلال  تجنيد ما أمكن من الإمكانيات  البشرية و المادية المتاحة وما تدل عليه المواقف المتشنجه للمنتمين للطبقة الثقافية السائدة .ونظرا للطبيعة الثورية لهذا المشروع فإنجازه يتطلب بالضرورة  أن يكون منفذوه من ذوي الرؤى المستقبلية  غير مكبلة بالتصورات المحدودة بالماقبليات الإيديولوجية التي  قد تفعل فعل العائق المعرفي في مناهج تفكير المشرفين على إنجاز المشروع على أرض الواقع. وهو ما يجعل   ضروريا  إخراج التنفيذ و الإنجاز من دائرة  الإستعجالي الذي قد يؤدي إلى الإرتجال  و الذي يؤدي بدوره إلى  عدم التحقق من ملاءمة الوسائل للغايات . و قد صرح محمد زين العابدين منذ الأيام و الأسابيع الأولى بعد تسميته في منصبه بأن العمل الثقافي لا يمكن أن يتلاءم مع  إرهاصات التسيير الإداري المعهود في بقية  القطاعت.  غير أن ما تدل عليه التجربه هو أن  تأهيل  الإدارة لجعلها تتلاءم  مع الغايات الجديدة نوعيا لنشاط الوزاره ليس بالعمل السهل  و لا يمكن إختزاله في  تغيير الأشخاص  بل يتمثل في تغيير الذهنيات وهو ما يتطلب عملا ممنهجا طويل النفس يتضمن تكوين  إداريين مختصين في تسيير شؤون الثقافة . و تسيير شؤون الثقافة  فعل يتجاوز  طرق التسيير المعهودة في القطاعات الأخرى. بما في ذلك مناهج المحاسبه التي أرى أنه من الضروري بالنسبة للمؤسسات الجامعية و الثقافية أن ننأى بها عن تطبيق نفس القواعد المعهودة في المحاسبة العامه  .

و تغيير الذهنيات  لا يختزل في تطعيم مجموعة الإطارات الإدارية  بنخبة من الجامعيين قد ينتمون الى ما أسميته بالطبقة الثقافية التي كثيرا ما تكون مؤدلجة مسكونة بتصورات سياسوية  فتحول مكتسبها الثقافي  إلى أداة تنفذ اجتماعي قد يحل محل مهمة تحفيز  الثورة الثقافية المناطة بعهدتهم . و هو ما يفسر ما عرفته الوزارة من مواقف اعتداد بالذات  عبر عنها الأشخاص الذين وقعت إقالتهم من طرف الوزير المشرف و المسؤول الأول على إنجاح مشروع الحكومة التي ينتمي لها. ولا أدل على أحقية إقالتهم  مواقفهم المسيسة و ماتدل عليه هذه المواقف ضمنيا من وجود  تكتلات لا ثقافية تمكن إزاحة  اللثام عنها  من كشف ممارسات هذه الطبقة الثقافية المتمثلة في أنواع لوبيات مختلفة المشارب .  منها الجهويه و النقابية الفئويه الكرپوراتية  و السياسية الحزبية  و غير الحزبية.  و تأكيدهم كلهم على أن الوزير لا يترك لهم ما يكفي من نفوذ إداري  يجعلهم يقرون بأن  تصوراتهم الخاصة للمشروع تجعلهم لا يضعون أنفسهم في خدمة المشروع المشترك بل يعتبرون أنفسهم منفذين لمشاريعهم الشخصية. و لا أنجع من التواضع والإستعداد الدائم للإستماع للرأي المغاير  عندما يتصل الأمر بمهمة التحفيز على الإبداع وعلى ممارسة الفكر الحر لدى الفئات الشابة لشعبنا وهي الأغلبية.

والسلطة لا يمارسها  الآمر صاحب القرار فقط لأن الأمر لكي يتحقق يتطلب طاعة المأمور و هي طاعة غير مطلقة و مرتبطة بالصبغة التعاقدية التي تؤسس المجتمعات في إطار الدولة  التي لا وجود للحرية خارجها كما يقول هيڤل .ومن هنا نفهم ما تعنيه المقولة المعروفة بأن الوزير لا يفعل ما يشاء بل  يفعل ما يقدر على فعله. وفي تقديره النسبي لما يمكنه فعله قد يخطئ أو يصيب. لأن سوس شؤون البشر لا ينتمي للعلوم الصحيحة وهو أمر أقرب إلى  الإبداع .والإبداع كما هو معروف أساسه عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء لأنه لا يمكننا إكتشاف الجديد أو تغيير واقع ما دون الإقدام علي الممارسة الفعليه التي  من خلالها نتعلم و نزيد خبرة  بالواقع الذي نبتغي تحويله  من حسن  الى أحسن. فالذي لا  يقبل بارتكاب الخطأ لا يمكنه أن يتعلم .

وبالرجوع  للمواقف المتشنجه للمسؤولين الذين وقعت إقالتهم من طرف وزير الثقافه  خاصة منهم الذين وقع تعيينهم  من طرفه  شخصيا ..  فإني أرى أن الإقدام على إقالة مسؤول ثبت عدم ملاءمة كفاءاته الخاصة للدور الخصوصي المناط بعهدته عمل مسؤول ينم على الشجاعة السياسية التي يتحلى بها الوزير.

و إصلاح الخطأ اعتراف بالخطأ وهو عمل أقوم من السكوت عنه.  والتوابون أقرب إلى الله

Répondre