« التناقض أساس الوجود و ليس تضارب في المواقف أو « قلبان فيسته

with Pas de commentaire

10250071_1534258090158317_1330479393289114960_nمن خلال ما تعبر عنه السيدة النائبة مباركة البراهمي من استغراب لما لاحظته من تناقض في مواقف نداء تونس من النهضة بين يوم انتخاب نائب رئيس المجلس عبد الفتاح مورو من جهة و عدم تشريك النهضة في الحكم من جهة اخرى و من خلال تعبيرها باسم الجبهة الشعبية عن التخلي عن موقفها الاقصائي ازاء النهصة يمكننا ان نرى الموقف التكتيكي الذي تتبناه الجبهة الشعبية من الوضع الحالي الذي تمر به تونس. و ما لم يفهمه المتكلمون باسم الجبهة سواء عن قصد او عن غير قصد هو ان الدستور الجديد و النظام الذي افرزه يفرق بطريقة اوضح مما كان عليه الأمر فبل الثورة بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية. وهذا التفريق الواضح بين السلطتين يمثل في حد ذاته نقلة نوعية.

فهو يعطي للسلطة التشريعية المكانة التي تستحق بصفتها المصدر الآول للشرعية الى جانب رئيس الجمهورية المنتخب هو أيضا بطريقة مباشرة من طرف الشعب. و ما لم يتجاوزه تصور الجبهة للوضع الحالي هو أن مفهوم السلطة ليس هو نفسه بالنسبة للسلطتين التشريعية و التنفيذية. و منذ الجلسة الأولى لمجلس الشعب صرحت السيدة النائبة مباركة البراهمي بان ترشحها لنيابة رئاسة المجلس كانت الغاية منه اجبار النداء و النهضة على الافصاح عن المستور من التوافق غير المعلن بين الباجي قايد السبسي و راشد الغنوشي منذ لقاء باريس. و تعتبر انها بترشحها ساهمت في توضيح المواقف و ساعدت الجبهة على تمركزها بوضوح في صف المعارضة الشعبية لثنائي الحزبين « الآغلبيين ». و هو تأويل يخدم في الأن نفسه ما تروج له النهضة بانها الحزب الثاني في الأغلبية البرلمانية و تبني على هذا الأساس أحقية مشاركتها في السلطة التنفيذية.
و عدم التفريق النوعي بين السلطتين التنفيذية و التشريعية تسبب من ناحية أخرى في تأزيم علاقة المجموعات البرلمانية المحتلفة بالأحزاب التي رشحتها . وهي أحزاب ما زالت بعد في مرحلة التكوين. و كأني بنواب كل الأحزاب يعتبرون ان السلطة التشريعية هي السلطة السياسية الشرعية الوحيدة الى جانب رئيس الجمهورية و تسمح بالتالي لنواب الشعب أن يمارسوا سلطنهم على أحزابهم و أن لا يلتزموا بالانضبط الحزبي كعامة المناضلين في صلب حركات سياسية صعدت الى السلطة السياسية من قبل أن تنظم مؤتمراتها التأسيسية كأحزاب سياسية تحصلت على تأشيراتها القانونية بعد الثورة.
و القول بالتفرقة النوعية بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية من شأنه أن ينأى بديمقراطيتنا االمتقدمة الناشئة عن تذييل السلطة التشريعية من طرف السلطة التنفيذية و عن تغول السلطة التشريعية بتدخلها في ميكانيزمات الحكم باستغلال سياسوي للشرعية التي أوكلها اياها الشعب كما اوكلها لرئيس الجمهورية.
و اعتبار السلطة التشريعية في اطار خصوصية سلطتها يحتم علينا التذكير بأن اقتسام السلطة يختلف عن اقتسام الحكم و بأن دور نواب الشعب ليس المشاركة في الحكم و لكن في إعداد القوانين و عرضها على موافقة رئيس الجمهورية وفي مراقبة عمل الحكومة دون تدخل فيما لا يتناقض مع الدستور و القانون من ممارسة الحكم من طرف السلطة التنفيذية.
و سلطة المراقبة والتشريع التي تختص بها السلطة التشريعية تختلف عن سلطة التنفيذ أي عن ممارسة الحكم.
و يتحتم عن ذلك أ ن ممارسة السلطة التشريعية لا يفترض أن تكون هاته الأخيرة مسكونة بالصراع على الحكم الذي تتعاطاه الأحزاب في كنف ما تسمح به اللعبة الديمقراطية خارج البرلمان. و على هذا الأساس يكون تنظيم العمل داخل البرلمان غير مبني على تقاسم الحكم على مستوى السلطة التنفيذية و انما على الممارسة المشتركة بين نواب الشعب باعتبار تمثيلية الكتل البرلمانية بغض الطرف عن مشاركتها في السلطة التنفيذية.
و هكذا نفهم أن انتخاب مورو كان من الخطإ اعتباره مؤشرا على وجود اتفاق قبلي و سري بين النهضة و النداء لان اعطاء نيابة رئاسة المجلس للحزب الثاني في البرلمان يدخل في باب المشاركة الشرعية لكل النواب في السلطة التشريعية من خلال اعتبار نسبية التمثيل في تعيين هياكل المجلس المختلفة و لا يؤشر بالضرورة على اقتسام السلطة التنفيذية التي يتوكل بها الحزب الآغلب و لو كان نسبيا و هو الذي يدير التحالفات التي يراها صالحة و قادرة على احراز موافقة نواب مجلس الشعب
و يبدو لي وأن اختيار مورو كان صائبا لأنه الوحيد الذي كان يعبر عن موقف غير انعزالي داخل الحزب الذي أسسه و افتكه منه اسلاميو التآمر و العنف. وهو يمثل النهضة من وجهها المضيء و المفتوح على مستقبل حزب مرشح للمرور بأزمة ولادة جديدة.
و الفكر الانعزالي الذي بدات النهضة تحاول تجاوزه هو ما يمنع الى حد اليوم الجبهة الشعبية من الخروج من سياسة تبرير الخوف من المشاركة بالتشكيك في نوايا بقية المشاركين و التمسك بنظرة سياسية لا ترى مجالا للتناقض و هو اساس الوجود.

و التناقض ليس كما يتصوره الانتهازيون و المثاليون قلبان فيسته أو تاقلم سلبي مع الاحداث بل صياغة فعلية للتاريخ الذي لا يكتب الا بالاستماع الخلاق و المبدع لما يمثله الواقع الانساني من تناقض أساسي يضمن تواصل الحياة.

Répondre