Iterview accordée au quotidien tunisien d’expression arabe « Ashourouq » En date du 11.2.2011

with Un commentaire

1-كيف تفهم ما حدث في تونس وهل كنت تتوقّعه؟

لا أظن أن أحدا في العالم كان يتوقع ما حدث في تونس فالثورة فاجأت الجميع  و خاصة النظام الذي أطاحت به بطريقة هي أيضا  كانت غير منتظرة. وهي بصفتها تلك تكتسي صبغة  « إبداعية » تجديدية في مجال إنتاج التاريخ من طرف الشعوب عندما تتمكن هذه الأخيرة من صنع قدرها . ويمكن اليوم لأخصائي علم الاجتماع السياسي أن يفسروا الأحداث بالرجوع إلى مسبباتها التي قد تكون كانت بينة للعيان (وليس كل ما هو بين للعيان يرى) أو إلى أسبابها المباشرة التي تتمثل في تسلسل الوقائع التي تربط بين استشهاد محمد البوعزيزي والمظاهرة الشبابية العارمة بشارع بورقيبة التي أبهرت العالم بجمالها و أدخلت الهلع في نفس طاغية   ثقافته محدودة جدا فهرب مراوغا ووجد نفسه في مزبلة التاريخ  من حيث لم يكن يدري . و ما انكشف للعيان بعد خلعه يشير بكل وضوح إلى أن الرجل لم تكن له طموحات تاريخية بقدر ما كان ضحية شجع لا محدود و تلذذ مرضي بممارسة السلطة تعويضا لفقدانه الواضح لأقل مقومات الإنسانية. و ما حز في نفسي و قلل شيئا ما من شعوري بالسعادة القصوى الذي سكنني منذ أن أعادت في الثورة نخوة الانتماء لتونس  ما انتابني من امتعاض عندما وعيت بهول الكارثة على المستوى الرمزي و التي تتمثل في الفارق الكبير بين هذا الرجل الجاهل الذي تحكم في رقابنا لما يفوق العقدين من الزمن و من سبقه من رجالات تونس ممن نفتخر بهم ونعتبرهم من منارات تاريخ تونس المجيد.  وهو شعور أحيا في ذكرى  طفولتي أثناء السنين التي عشتها في فترة تمتد من قبيل الاستقلال إلى بعيده .

غير أن التوقع لا يتمثل فقط في رصد الأحداث و الترصد من خلالها  لما يخبئه لنا الغيب. إذ  يمكن للتوقع أن يتخذ أشكالا أبداعية أو تأويلية للواقع . والتأويل هنا أشير من خلاله إلى ما يحويه الشعر الصادق من تبشير ضروري بالانعتاق و الحرية و هو ما نفتخر كلنا بوجوده في شعر الشابي. وهذا التبشير بالحرية يضع الشاعر في مقام الأنبياء و لا أقول الرسل للفارق النوعي بين الرسول الملهم الذي ينزل عليه الوحي  في شكل كتاب سماوي  والشاعر الذي يؤول الواقع تأويلا ويجعل غيب هذا الواقع ينكشف للعيان . فالغيب الذي يتنبأ به المبدع ليس الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله بل ما خفي من الواقع تحت حجاب ما نسميه الوعي. و الفن كما هو معروف يجعل اللامرئي مرئيا .

و الفارق الآخر بين التنزيل و التأويل هو أن الأول يمكننا من خلال ما يعلمنا به الله من الإطلاع عما وراء الحجب عن طريق الإيمان و التصديق بما جاء في الرسالة  بينما الثاني يتمثل في التحفيز على تجاوز الواقع دون القفز عليه  بإنتاج الفنان فضاء طوباويا  « يشفف » ( اقصد يجعله شفافا) نفس هذا الواقع  و يساعد بقية البشر على نحت مستقبلهم بعد أن يوحي إليهم الشاعر أو الفنان  ما خفي عن أعينهم في طيات واقعهم  من إمكانية نحت هذا الأخير وهو ما نسميه مع أبو القاسم الشابي بإرادة الحياة التي لا بد أن يستجيب لها القدر.

و لست أول من يقول بأن الثورة التونسية التي علينا أن نحظى إنسانيتها الرفيعة من  جيوب الردة التي تهدد خصوصيتها الحضارية و من كل تمجيد للعنف الذي يتمثل في الظلم و في الرد على الظلم بالظلم المضاد لها بعدا شعريا أكيدا يتأسس في الاحتراق الرمزي لشاب حنون من مدينة « ابو زيد » ذكر باستشهاده البشرية جمعاء بأن الحياة كرامة أو لا تكون. وهذا البعد الرمزي هو ما يضفي على تضحية محمد البوعزيزي بنفسه على معبد الكرامة بعدا روحانيا واضحا يحمل ثورتنا من العمق و يجعل منها واقعا ربانيا يصعب الركوب عليه لا من طرف السياسيين الانتهازيين و لا من طرف الشعراء المتكبرين وان كانوا غزاة. فهذه الثورة التي جاد بها القدر لشعب الشابي و البوعزيزي استجابة لرفض كل منهما العيش بين الحفر وطوقهما للكرامة المؤنسنة للبشر والتي جوهرها شوق الحرية  الحارق ووهجه المطهر للنفس الأمارة بالسوء.

2كنت رئيس تحرير « ديالوغ »

Dialogue

لماذا انسحبت من الحياة الثقافية والإعلامية؟

يجب قبل أن أجيبك أن اذكر  القراء من الشريحة العمرية التي لا تتجاوز سن الثلاثين و الذين لا يعرف الكثير منهم من تاريخ وطنهم إلا ما أمكنهم التعرف عليه عن طريق الفايسبوك ( و ذلك لما قام به نظام الدكتاتور الفاسق من تعتيم إعلامي  بنية حذف كل ما سبق)  بأن   » Dialogue »

أسبوعية سياسية   و إعلامية عامة كنت من ضمن مجموعة محرريها الأولى بصفتي « ناقد فني » وكان ذلك إثر تأسيسها سنة 74 عندما كان الهادي نويرة وزيرا أول (بالفعل) لحكومة بورقيبة  و السيد محمد الصياح مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري. و تداول على إدارتها و رئاسة تحريرها كل من الزملاء عمر صحابو و حمادي بن حماد و رجاء العلمي  و كنت أنا آخرهم إلى أن وقع إيقاف إصدارها بقرار من الديوان السياسي  للتجمع بعد اقل من شهر من انعقاد « مؤتمر الإنقاذ » الذي كرس عملية السطو الذي قام به رجال « التحول المبارك » على الحزب الدستوري.  ولم يكن إيقاف المجلة دون علاقة بالخط التحريري الذي انتحيته والذي تمثل في الابتعاد ما أمكن عن تكريس الصفة الدعائية  إن لم نقل تعميقها المتعمد من طرف صحافة « العهد الجديد »  والتي كانت اغلب  الصحف الرسمية موسومة بها.

و قد سميت مديرا للمجلة  اثر تخلي بورقيبة عن مزالي و تسمية السيد رشيد صفر وزيرا أول. أي في فترة  احتد فيها الصراع على السلطة بين مجموعات مختلفة من السياسيين المرشحين أنفسهم لا لخلافة بورقيبه فقط ولكن لتعويض النخبة الحاكمة بمجملها. و ما أزال أتذكر القائمة التي أوردها البشير بن يحمد أول  وزير الإعلام في حكومة بورقيبة و رئيس تحرير « أفريك اكسيون » سابقا  في مجلته  » جون أفريك »  وهي قائمة  تضم شخصيات شابة اغلبهم من المستقلين أو من المعارضين . غير أن الصراع الحقيقي كان يدور رحاه داخل الحزب الحاكم نفسه بين مجموعتين أساسيتين. الأولى يتزعمها السيد محمد الصياح ذو التوجه البورقيبي المبني على رواسب ستالينية و السيد الهادي البكوش ذو الميولات الاشتراكية الدستورية التي جعلته يتحالف مع البعض من المحسوبين على اليسار الغير المتحزب مثل العربي عزوز أو  الجامعي النقابي السيد فرج الشايب وغيرهما من الذين قربهم إليه مدير الحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك. أما أنا  فقد تعرف على سي الهادي عندما كنت صحفيا بجريدة « لاكسيون » حيث تخصصت في كتابة الافتتاحيات ذات المحتوى السياسي و الثقافي وقد كنت رفعت إليه  شكوى بصفته مديرا للحزب اثر تهجم قام به علي  احد الملحقين بديوانه. و أوضحت في الشكوى باني اكتب ما أفكر وان لم يسمح لي الحزب بكتابة ما أنا مقتنع به فاني سأتخذ لنفسي « براكة » أمام دار الحزب و أدافع منها عن الفكر البورقيبي كما أراه من وجهة نظري  وأودعت التقرير لدى الزميل فرج الشايب الذي كانت تربطني به علاقة زمالة إذ كنا الاثنان ندرس بمعهد الصحافة و علوم الإخبار.وبعدها بربع ساعة وقع استدعائي من طرف مدير الحزب و سألني عن سبب تواجدي بالصحافة الحزبية و هل يرجع ذلك إلى موالاتي لمحمد مزالي  فأجبته باني لست معجبا إلا بفكر بورقيبة مفرقا بين الولاء للشخص

bourguibiste

و الإعجاب بفكره

bourguibien.

وهي تفرقة تشير إلى أني توصلت إلى قناعة  بان ما اسميه الفكر البورقيبي لا يمثل إيديولوجية وسطية وليس  علمانية « لاييكية » بل عقلانية غير جاهلة بحدودها هي اقرب للفكر الماركسي الأصلي

La pensée marxienne

من قبل أن يقع توظيفه في الإيديولوجية الماركسية

le marxisme

التي حنطته. كما أن هذا الفكر البورقيبي جهادي المنبع بالمعنى الصوفي للكلمة.

وكنت و ما زلت اعتقد أن الفكر البورقيبي يستند في الآن نفسه إلى الفكر التنويري الفرنسي والفكر الماركسي الأصلي و الفكر الإسلامي الجهادي كما مارسه الأمير عبد القادر الجزائري.و هو ما جعله يتخذ الجهاد الأكبر مرجعا.  و صفة « الأكبر » يجب إلحاقها بالجهاد و ليس بالمجاهد كما فهمه المداحون المتزلفون الذين حولوا وجهة الفكر البورقيبي و جعلوا منه مقولات غير مرتبطة بنمط إنتاجها. و كنت كتبت افتتاحية طالبت فيها بان لا نترجم لقب المجاهد الأكبر ب

Le Combattant Suprême

, وانه من وجهة نظر الفكر البورقيبي فان بورقيبة يريد بمرجعيته هذه أن يكون كل تونسي مجاهدا مقاوما … للنفس الأمارة بالسوء ممارسا في حياته اليومية للجهاد الأكبر.  كما اوضحت بالموازاة إلى ذلك أني أعتبر بورقيبة مثقفا عضويا بمفهوم المفكر الايطالي  » جرامشي ».

و كنت علمت عن طريق الصدفة بان بورقيبه كان يقراني و ذلك أثناء زيارة لولاية توزر و قع تقديمي إثناءها  إلى معتمد نفطه الذي قدمني بدوره إلى الوالي قائلا : » سيدي الوالي هذا هو الناصر بن الشيخ الذي يطلب مني الرئيس كل صباح أن آتي له بجريدة لاكسيون للإطلاع عما يكتبه. » و فهمت عندها السر الذي يكمن وراء تمكيني من التعبير بكل حرية بالرغم من أني لم أكن حليف أي أحد من رجالات السياسة المتزاحمين على الساحة. إذ انه لم يقع إعلامي بان الرئيس يقراني من طرف أي مسئول عن الصحافة الحزبية.

و كما سبق و أن أوضحت حاولت أثناء الفترة التي قضيتها على راس مجلة « ديالوق » من أن أعطي مفهوما ملموسا لكتابة صحفية ملتزمة فيها من الاجتهاد و التأويل ما ينأى بها عن اللغة الخشبية السائدة. غير أني فهمت اثر قرار الديوان السياسي الجديد بإيقاف إصدار ديالوق  ان النظام الجديد ليس بحاجة لمفكرين. و أتذكر أني قابلت السيد الشاذلي القليبي بمنزله بقرطاج وقد كنت اشتغلت بديوانه في بداية السبعينات و بلغته  آن التجمع لم يبق فيه مثقفون فأجابني بالحرف الواحد  » كل نظام تخدمو رجالو ».    و قررت بعدها أن أركز على التدريس بالجامعة و أن أخوصص (او اخصخص)  نشاطي في ميدان الكتابة و قمت بنشر كتابين .

3.  توليّت مهمات أكاديمية كيف عشت التجربة في ظل حكم الرئيس المخلوع؟

طيلة العشرين سنة الماضية مارست ما اسميه بنشاط المقاومة و يتمثل في العمل ثم العمل ثم العمل. فأعددت معرضا تشكيليا بعد ما يقرب من العشر سنوات من الانقطاع عن الإنتاج الفني وكان ذلك سنة 94 بالقاعة البلدية للفنون التي وقع بناء مقر التجمع المنحل على الأرض التي كانت عليها ثم وقع تعييني مديرا مؤسسا للمعهد العالي للفنون الجميلة بصفاقس  باقتراح من الدالي الجازي وزير التعليم العالي آنذاك حيث قضيت بعاصمة الجنوب أربع سنوات سمحت لي بان أعيش تجربة ثرية جدا على كل المستويات منها التربوي البيداغوجي و منها ما يتصل بالبحث العلمي في ميدان اختصاصي و منها كذلك ما يتصل بالسياسة حيث تعاملت مع المستجدات بنفس الاستقلالية التي تعودت عليها في ممارستي للصحافة الحزبية في الفترة البورقيبية. ولكن الأهم من كل ذلك كان اكتشافي بمعية زوجتي و أبنائي مدينة صفاقس التي صرت اعرفها أكثر من بعض أصيليها القاطنون بالعاصمة. فمدة إقامتي بها  لم ابق منزويا  وقمت بأنشطة عديدة غير مرتبطة بموقعي كمدير مؤسسة