المفعول السلبي لوجود إتحاد الفنانين التشكيليين: من سيئ إلى أسوأ

with Aucun commentaire

1918809_1226382669793_5925623_n

منذ حوالي أسبوعين، قرأت منشورًا على فيسبوك، حيث لوّح الأمين العام السابق لاتحاد الفنانين، في وجه الزملاء الذين انتقدوا طريقة إدارته المستمرة لسنوات لهذه « المنظمة-الجمعية »، بالتهديد باللجوء إلى تطبيق المرسوم  54، الساري المفعول حاليًا منذ 13 سبتمبر 2022. قبل 48 عامًا، في تونس التي يُقال عنها اليوم، بعد ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011، إنها أقل ديمقراطية، سمحت لنفسي بنشر هذا المقال الذي وجهت فيه نقدًا جذريًا للدور الذي كانت السلطات آنذاك تسنده  لاتحاد الفنانين. وذلك في الأسبوعية « ديالوج » (Dialogue)، التي كان يديرها عمر صحابو، وكان رئيس قسمها الثقافي الأستاذ والزميل رضا النجار. ولم تكن مجلة « ديالوج » سوى الجهاز الناطق بالفرنسية، إلى جانب جريدة « لأكسيون » (L’Action) اليومية، للحزب الواحد الحاكم: الحزب الاشتراكي الدستوري.

——————————————————————————————————————————————————————————————–

يوم السبت 25 أكتوبر 1975، عُقدت في دار الثقافة ابن خلدون الجلسه العامة الإنتخابية للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية والغرافيكية (UNAPG). كانت جلسة عامة  منتظرة بشدة، إذا ما اعتبرنا العدد غير المعتاد للفنانين الحاضرين (حوالي خمسين)، بعضهم جاء من مدن داخل البلاد. جرى الاجتماع في جو مريح وجاد في آن واحد. وقد حرص رئيس الجلسة، السيد حسن العكروت، على الإشارة، بصفته نائب رئيس اللجنة الثقافية الوطنية وممثلًا بهذه المناسبة للسيد وزير الشؤون الثقافية، إلى أن الدولة تقدم دعمها الكامل للفنانين ومنظمتهم. وأكد على الدور الديناميكي للنشاط الثقافي الذي يُطلب من الاتحاد الوطني للفنون التشكيلية والغرافيكية أن يلعبه، سواء في العاصمة أو في داخل البلاد.

بعد ذلك، قرأ الرئيس المنتهية ولايته، بحضور أعضاء مكتبه وكذلك السادة  علي اللواتي رئيس قسم الفنون الجميلة في وزارة الشؤون الثقافية وعبد الفادر القليبي، مدير دار الثقافة ابن خلدون على التوالي، التقرير الأدبي. وقد شدد السيّد زبير تركي بشكل خاص على حسن سير المنظمة وتوطيدها المستمر، « وذلك على الرغم من الصعوبات التي سببتها لها، لفترة من الوقت، الإدارة وكذلك موقف بعض الصحف ». ثم قرأ السيد صادق ڤمش، الأمين العام وأمين الصندوق المنتهية ولايته، التقرير المالي، مشيرًا إلى أن المبلغ المخصص من قبل وزارة الشؤون الثقافية للاتحاد قد ارتفع من ألف دينار إلى ألف وخمسمائة دينار، ليصل هذا العام إلى ألفي دينار.

تمت الموافقة على التقريرين بالإجماع من قبل الجمعية، بعد بعض المناقشات حول العلاقات القائمة بين المنظمة والوزارة الوصية. ورداً على سؤال طرحه السيد محمود التونسي بهذا الشأن، أجاب السيد حسن العكروت بأنه لا توجد حدود دقيقة لهذه العلاقات، وأنه يمكن القول إنها تعاون وثيق ومثمر، تجسد في إنشاء لجنة شراءات  للفنون الجميلة تتكون غالبية أعضائها من فنانين تشكيليين أعضاء في الاتحاد.

انتخابات ديمقراطية

بعد ذلكوقع انتخاب الرئيس الجديد وكذلك المكتب الجديد. ترشح ثلاثة وهم علي عيسى، إبراهيم ضحاك، وعلي بلاغة. وكانت نتيجة الاقتراع كالتالي: علي عيسى، صوتان، إبراهيم ضحاك، أربعة أصوات، وعلي بلاغة، حوالي أربعين صوتًا، أغلبية ساحقة. من بين الأعضاء القدامى في المكتب الذين أعيد انتخابهم، نذكر صادق ڤمش، عبد العزيز القرجي، الهادي التركي، والهادي السلمي. ومن بين الأعضاء الجدد، نلاحظ وجود محمود السهيلي، الحبيب شبيل، محمد بن مفتاح، وعبد المجيد البكري

                                                                                                  الاتحاد حول أيّ  مشروع ؟

تأسس الإتحاد ،منذ سبع سنوات، وبمبادرة من السيد الطاهر قيقة، الذي كان آنذاك مديرًا للفنون والآداب بوزارة الشؤون الثقافية، وجمع حوالي  80 رسامًا ونحاتًا وفنان ڤرافيك. هذا هو الرقم الذي قدمه المشرفون على هاته المنظمة  . بفضل نظامها الأساسي الذي يمنحها دورًا مهمًا في تعزيز الإبداع الفني في البلاد، تسعى المنظمة لتكون منصة للقاء والتعاون بين الفنانين التونسيين من جميع التوجهات. وبحكم موقعها ضمن الهيئات التي تسهر على حسن سير وتنشيط الحياة الثقافية، تقدم نفسها كمؤسسة غير ربحية تسمح للوزارة الوصية، وزارة الشؤون الثقافية، بأخذ إرادة الفنانين بعين الاعتبار فعليًا، حيث يُفترض أن يكون الاتحاد المتحدث باسمهم. يتيح وجودها للسياسة الثقافية في مجال تعزيز الإبداع الفني تلبية الاحتياجات الحقيقية للقاعدة (التي تتكون في هذا السياق من غالبية الفنانين الموجودين) وتجنب، في الوقت نفسه، الانغماس في اعتبارات نظرية مجردة، خاصة في مجال الثقافة.

هذه هي الأهداف الأولية. وهي، كما نرى، سخية. فماذا عن الواقع الفعلي؟ عند النظر إليها من هذا المنظور، يبدو أن وضع الاتحاد يعاني من غموض ناتج عن مجموعة من      الحقائق الملموسة التي سيكون من المفيد توضيحها، حرصًا على الفعالية

 

أولاً، فيما يتعلق بالهدف:

 

منذ إنشائها، لم تستطع هذه المنظمة أو لم ترغب في الاختيار بين توجه نقابي معين على النمط الغربي واهتمامات أكثر شمولية بالمشاركة في تعزيز فن تونسي أصيل وذو معنى، داخل المجتمع التونسي، الذي سيتبناه أو، الأفضل من ذلك، سيجعله وسيلة للتفكير والوعي الذاتي. هذا الغموض هو أيضًا نتيجة مباشرة للظروف التي نشأت فيها هذه المنظمة. في الحقيقة، كانت نتيجة تسوية بين المصالح المختلفة التي كانت ولا تزال مصالح « التكتّلات » التي جوهرها نقابي بلا شك. لهذا السبب، خلال السنوات السبع الماضية التي عاشها هذا « التجمع الكبير » من الفنانين، كان السؤال الذي دارت حوله النقاشات دائمًا هو كيفية توزيع المشاركة في المشاريع التزويقية العمومية أو تقاسم « التشجيعات » التي تقدمها الدولة للرسامين المنتمين إلى هذا التجمع بأكثر الطرق عدلاً.

يثير هذا الجانب من اهتمامات أعضاء الاتحاد، بالمناسبة، على مستوى تحديد المعايير التي يتم على أساسها قبول أو رفض طلبات العضوية المقدمة من الفنانين. معيار الاحتراف، كونه غامضًا وصعب التطبيق في مجتمع مثل مجتمعنا، يترك لأصحاب القرار هامشًا واسعًا ومرنًا للتفسير، مما له عيوبه ومزاياه. فبينما يسمح للمنظمة بالتكيف مع المعطيات الواقعية وغير المتوقعة، فإنه يفتح، في الوقت نفسه، الباب أمام التعسف والتقديرات المتحيزة. تتفاقم هذه المخاطر بسبب النظام « الديمقراطي » على النمط الغربي المعتمد في الانتخابات التي تجرى كل ثلاث سنوات لتعيين المكتب ورئيس المنظمة. هذا النظام، الذي ولد من الرغبة في التسوية بين مصالح المجموعات المختلفة وليس من الرغبة في تعزيز ثقافة وطنية متطورة، يؤدي في النهاية إلى مزايدة انتخابية تصبح الدافع لعمل المكتب المنتخب. وكما نعلم، فإن الرجوع إلى الأغلبية، في مجال الثقافة النامية، يمكن أن يؤدي إلى نتائج متناقضة تمامًا لتلك التي يمكن توقعها.

 

ثانياً،يتعلق الأمر بالنظر في العلاقات التي يجب أن توجد بين منظمة فنانين، من جهة، و »الوزارة الوصية » من جهة أخرى

 

لم يتم توضيح هذه الروابط حتى الآن. إذا رجعنا إلى دليل القانون الإداري، الذي أُعد لطلاب  المدرسة الوطنية للإدارة، سنلاحظ أن اتحاد الفنانين التشكيليين يتبع مكتب وزير الشؤون الثقافية. وبما أنه أُنشئ بمبادرة من إدارة الفنون والآداب، يمكننا أيضًا أن نفترض أنه يتبع قسم الفنون الجميلة. ومع ذلك، في تقرير حديث نسبيًا، يمكننا أن نقرأ، بتوقيع مسؤول من وزارة الشؤون الثقافية، أن العلاقات بين وزارة الثقافة وجمعيات الفنانين التشكيليين والنحاتين تتم عبر مصلحة الفنون الجميلة التابعة للجنة الثقافية الوطنية. ما هي حدود صلاحيات كل من هذه الهيئات التي تسعى جميعها إلى إدارة وتعزيز الإبداع التشكيلي في البلاد؟

لذلك، يقع على عاتق المكتب الجديد تحديد، على أسس أكثر واقعية، كل من رسالة هذه الهيئة ووسائل العمل التي تعتزم اعتمادها لكي يلعب اتحاد الفنانين التشكيليين دوره كاملاً في المهمة المحددة للتنمية الثقافية التي يجب أن يلتزم بها الفنانون التونسيون « بشكل طبيعي »

لتحقيق ذلك، يجب على أعضاء هذا المكتب الجديد أن يختاروا،  بين التوجه النقابي، أي الدفاع عن مصالح الفنانين الحاليين، من جهة، والعمل الفعال من جهة أخرى، والذي يتمثل في جعل هذا الاتحاد أداة فعالة لمحو الأمية الفنية وتعزيز فن تونسي متطور وذو معنى. إن الاقتصار على تعميم الإنتاج الحالي و التعريف الغير النقدي للإنتاج الماضي  لا يبدو لنا أنه أتى بثماره.

يحتاج الفنانون التونسيون بشدة إلى حوار مثمر، قائم على اعتبارات فنية وليست مصلحية

علاوة على ذلك، يبدو لنا أن هناك حاجة إلى نوع من « الاقتصاد » في الطاقة، على مستوى إدارة الفنون التشكيلية في البلاد؛ لتجنب « المزايدات » بين مختلف الهيئات والخدمات، وهي « مزايدات » لن تكون نتيجتها بالضرورة تعزيز فن تونسي أصيل.

 

ونحن نعني بـ « الأصيل » فن عصرنا ونتيجة للفهم العميق لواقعنا الحالي.

 

بمجرد توضيح هذا الأمر، من البديهي أن الوضع « القانوني » للاتحاد سيصير قضية ثانوية. لأن الأهم، في رأينا، لا يكمن في إعلانات المبادئ ومراعاة الحالات الاستثنائية، بل في الممارسة اليومية الفعالة والواعية بإمكانياتها وقبل كل شيء بأهدافها.

وبهذا الثمن فقط يمكننا مكافحة ظاهرة اللامبلاة التي قد تقلل من جد ّية دور مثل هذه المنظمة وتترك الباب مفتوحًا للبيروقراطية.

ناصر بن الشيخ

نشرت في مجلة حوار عندما كان مديرها عمر صحابو ورئيس القسم الثقافي رضا النجار.

Répondre